الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

17

تفسير روح البيان

والتعرض لذلك تمهيد لبيان كمال قبح ما فعل به صاحبه لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ قرأ حفص عن عاصم ولى بفتح الياء والباقون بإسكانها على الأصل نَعْجَةٌ واحِدَةٌ النعجة هي الأنثى من الضأن وقد يكنى بها عن المرأة والكناية والتعريض أبلغ في المقصود وهو التوبيخ فان حصول العلم بالمعرض به يحتاج إلى تأمل فإذا تأمله واتضح قبحه كان ذلك أوقع في نفسه واجلب لخجالته وحيائه فَقالَ أَكْفِلْنِيها اى ملكنيها وحقيقته اجعلني اكفلها كما اكفل ما تحت يدي والكافل هو الذي يعولها وينفق عليها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ اى غلبني في مخاطبته إياي محاجة بان جاء بحجاج لم أقدر على رده وعن ابن عباس رضى اللّه عنهما كان أعز منى وأقوى على مخاطبتى لأنه كان الملك فالمعنى كان أقدر على الخطاب لعزة ملكه كما في الوسيط قالَ داود بعد اعتراف المدعى عليه أو على تقدير صدق المدعى والا فالمسارعة إلى تصديق أحد الخصمين قبل سماع كلام الآخر لا وجه له وفي الحديث ( إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض لأحدهما حتى تسمع من الآخر ) لَقَدْ ظَلَمَكَ جواب قسم محذوف قصد به عليه السلام المبالغة في انكار فعل صاحبه وتهجن طعمه في نعجة من ليس له غيرها مع أن له قطيعا منها بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ السؤال مصدر مضاف إلى مفعوله وتعديته إلى مفعول آخر بالى لتضمنه معنى الإضافة والضم كأنه قيل بضم نعجتك إلى نعاجه على وجه السؤال والطلب وفي هذا إشارة إلى أن الظلم في الحقيقة من شيم النفوس فان وجدت ذا عفة فالعلة كما قال يوسف ( وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ) الآية فالنفوس جبلت على الظلم والبغي وسائر الصفات الذميمة ولو كانت نفوس الأنبياء عليهم السلام كذا في التأويلات النجمية يقول الفقير هذا بالنسبة إلى أصل النفوس وحقيقتها وإلا فنفوس الأنبياء مطمئنة لا امارة إذ لم يظهر فيهم الا آثار المطمئنة وهي أول مراتب سلوكهم وقد أشار الشيخ إلى الجواب بقوله فان وجدت إلخ فاعرف ذلك فإنه من مزالق الاقدام وقد سبق التحقيق فيه في سورة يوسف ثم قال داود عليه السلام حملا للنعجة على حقيقتها لا على كونها مستعارة للمرأة وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ اى الشركاء الذين خلطوا أموالهم جمع خليط كظريف والخلطة الشركة وقد غلبت في الماشية لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ اى ليتعدى غير مراعى لحق الصحبة والشركة : يعنى [ از حق خود زيادة مىطلبند ] إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ منهم فإنهم يجتنبون عن البغي والعدوان وَقَلِيلٌ ما هُمْ وهم قليل فهم مبتدأ وقليل خبره قدم عليه للاهتمال به وانما أفرد تشبيها بفعيل بمعنى مفعول وما مزيدة لتأكيد القلة أو للابهام أو التعجب من قلة الموصوفين بالايمان وصالح العمل وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ الظن مستعار للعلم الاستدلالي لما بينهما من المشابهة . يعنى ان الظن الغالب لما كان يقارب العلم استعير له فالظن يقين لكنه ليس بيقين عيان فلا يقال فيه الا العلم . وما في انما كافة والمعنى وعلم داود بما جرى في مجلس الحكومة انما فعلنا به الفتنة والامتحان لا غير بتوجيه الحصر إلى نفس الفعل بالقياس إلى ما يغايره من الافعال فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ اثر ما علم أن ما صدر عنه ذنب كما استغفر آدم عليه السلام بقوله ربنا ظلمنا أنفسنا إلخ وموسى عليه السلام بقوله تبت إليك وغيرهما من الأنبياء